أبي الفرج الأصفهاني
395
الأغاني
تولى حماد بن زيد الكتابة للنعمان الأكبر فمكث حماد / في أخواله حتى أيفع [ 1 ] ولحق بالوصفاء ؛ فخرج يوما من الأيام يلعب مع غلمان بني لحيان ، فلطم اللَّحيانيّ عين حماد فشجّه حمّاد ، فخرج أبو اللَّحيانيّ فضرب حمادا ، فأتى حماد أمّه يبكي ، فقالت له : ما شأنك ؟ فقال : ضربني فلان لأن ابنه لطمني فشججته ، فجزعت من ذلك وحوّلته إلى دار زيد بن أيوب وعلَّمته الكتابة في دار أبيه ، فكان حماد / أوّل من كتب من بني أيّوب ، فخرج من أكتب الناس وطلب حتى صار كاتب الملك [ 2 ] النّعمان الأكبر ، فلبث كاتبا له حتى ولد له ابن من امرأة تزوّجها من طيء فسماه زيدا باسم أبيه . سبب اتصال زيد بن حماد بكسرى وكان لحمّاد صديق من الدّهاقين [ 3 ] العظماء يقال له فرّوخ ماهان ، وكان محسنا إلى حماد ، فلما حضرت حمادا الوفاة أوصى بابنه زيد إلى الدّهقان ، وكان من المرازبة ، [ 4 ] فأخذه الدّهقان إليه فكان عنده مع ولده ، وكان زيد قد حذق الكتابة والعربية قبل أن يأخذه الدّهقان ، فعلَّمه لمّا أخذه الفارسيّة فلقنها [ 5 ] ، وكان لبييا فأشار الدّهقان على كسرى أن يجعله على البريد في حوائجه ، ولم يكن كسرى يفعل ذلك إلا بأولاد المرازبة ، فمكث يتولَّى ذلك لكسرى زمانا . تمليك زيد بن حماد على الحيرة ثم إنّ النّعمان النّصري اللَّخميّ هلك ، فاختلف أهل الحيرة فيمن يملَّكونه إلى أن يعقد كسرى الأمر لرجل ينصبّه ، فأشار عليهم المرزبان بزيد بن حمّاد ، فكان على الحيرة إلى أن ملَّك كسرى المنذر بن ماء السماء / ونكح زيد بن حمّاد نعمة بنت ثعلبة العدويّة فولدت له عدياَّ ، وملك المنذر وكان لا يعصيه في شيء ، وولد للمرزبان ابن فسمّاه « شاهان مرد » . تعلم عديّ بن زيد الكتابة والكلام بالفارسية فلما تحرّك عديّ بن زيد وأيفع طرحه أبوه في الكتّاب [ 6 ] ، حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه « شاهان مرد » إلى كتّاب الفارسية ، فكان يختلف مع ابنه ويتعلَّم الكتابة والكلام بالفارسيّة حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر ، وتعلَّم الرمي بالنّشّاب فخرج من الأساورة [ 7 ] الرّماة ، وتعلَّم
--> [ 1 ] يقال : أيفع الغلام فهو يافع إذا شارف الاحتلام . والوصفاء : جمع وصيف وهو الغلام دون المراهق . ويقال : وصف الغلام إذا بلغ الخدمة فهو وصيف . [ 2 ] كذا في أ ، ح . وفي باقي النسخ : « ملك » بدون أل . [ 3 ] الدهاقين : جمع دهقان وهو التاجر فارسيّ معرّب . [ 4 ] المرزبان بضم الزاي : أحد مرازبة الفرس وهو الفارس الشجاع المقدّم على القوم دون الملك وهو فارسيّ معرّب . [ 5 ] كذا في أغلب الأصول ، ولقنها : فهمها . وفي ب ، س : « فلقفها » بالفاء ، يقال : لقف الشيء يلقفه لقفا أي تناوله بسرعة ويستعمل في سرعة الأخذ لما يرمى باليد أو باللسان ومنه رجل ثقف لقف أي سريع الفهم لما يرمي إليه من كلام باللسان ، وسريع الأخذ لما يرمي إليه باليد ، وقد يفرد لقف فيكون معناه ما تقدّم . [ 6 ] الكتّاب : موضع تعليم الكتابة ، يقال : سلَّم ولده في الكتّاب أي المكتب . وأنكر المبرّد هذا المعنى وقال : من جعل الموضع الكتّاب فقد أخطأ . وقال الشهاب في « شرح الشفاء » : أن الكتّاب للمكتب وارد في كلامهم كما في الأساس وغيره ولا عبرة بمن قال : إنه . مولد ( انظر « تاج العروس » مادة كتب ) . [ 7 ] الأساورة : جمع الأسوار بالضم أو الكسر وهو الجيد الرمي بالسهام . وقال أبو عبيد : أساورة الفرس : فرسانهم المقاتلون . وقال الخوارزمي في « مفاتيح العلوم » : العجم لا تضع اسم أسوار إلا على الرجل البطل الشجاع .